أبي حيان الأندلسي

760

البحر المحيط في التفسير

للمصدر بالفتح ، وللمكان والزمان نحو : وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً « 1 » أي : عيشا ، فيكون : المحيض بمعنى الحيض ، والمصير بمعنى الصيرورة ، على هذا شاذا . وذهب بعضهم إلى التخيير في المصدر بين أن تبنيه على مفعل بكسر العين ، أو : مفعل بفتحها ، وأما الزمان والمكان فبالكسر . ذهب إلى ذلك الزجاج ، ورده عليه أبو عليّ ، وذهب بعضهم إلى الاقتصار على السماع ، فحيث بنت العرب المصدر على مفعل أو مفعل أو مفعل اتبعناه ، وهذا المذهب أحوط . لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ظاهره أنه استئناف ، خبر من اللّه تعالى أخبر به أنه لا يكلف العباد من أفعال القلوب والجوارح إلّا ما هو في وسع المكلف ، ومقتضى إدراكه وبنيته ، وانجلى بهذا أمر الخواطر الذي تأوله المسلمون في قوله : إِنْ تُبْدُوا الآية ، وظهر تأويل من يقول : إنه لا يصح تكليف ما لا يطاق ، وهذه الآية نظير . يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ « 2 » لأنه كان في إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس ، ويصوم أكثر من الشهر ، ويحج أكثر من حجة . وقيل : هذا من كلام الرسول والمؤمنين ، أي : وقالوا لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها والمعنى : أنهم لما قالوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا قالوا : كيف لا نسمع ذلك ، ولا نطيع ؟ وهو تعالى لا يكلفنا إلّا ما في وسعنا ؟ والوسع دون المجهود في المشقة ، وهو ما يتسع له قدرة الإنسان . وانتصابه على أنه مفعول ثان ليكلف . وقال ابن عطية : يكلف ، يتعدّى إلى مفعولين . أحدهما محذوف تقديره : عبادة أو شيئا . انتهى . فإن عنى أن أصله كذا ، فهو صحيح ، لأن قوله : إلّا وسعها ، استثناء مفرغ من المفعول الثاني ، وإن عنى أنه محذوف في الصناعة ، فليس كذلك . بل الثاني هو وسعها ، نحو : ما أعطيت زيدا إلّا درهما ، ونحو : ما ضربت إلّا

--> ( 1 ) سورة النبأ : 78 / 11 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 185 .